الراغب الأصفهاني
118
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
( 10 ) وممّا جاء في مراسلة الحبيب ومكاتبته الإرسال إلى المحبوب قال كثيّر : لقيني جميل فقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من عند بثينة فقال : لا بد أن ترجع عودك إلى بدئك فتأخذ لي موعدا من بثينة . فقلت : عهدي بأبيها الساعة . فقال : بدّ فقلت وأين عهدتهم ؟ قال بالدوم يرحضون ثيابهم فرجعت فقال أبوها : ما ردّك يا ابن أخي قلت أبيات خطرت لي أردت أن أنشدها ثم أنشدته : فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبي * على نأي دار والموكل مرسل بأن تجعلي بيني وبينك موعدا * وأن تأمريني بالذي شئت أفعل فآخر عهد منك يوم لقيتني * بأسفل وادي الدوم والثّوب يغسل « 1 » قال : فضربت بثينة جانب خبائها بعمود وقالت أخسأ ، فقال أبوها ما هو ؟ قالت : كلب يأتينا من وراء الرابية . فعدت إليه وقلت قد وعدتني أن تجيء من وراء الرابية . قال شاعر : يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما * وحيثما كنتما لقيتما رشدا إن تحملا حاجة لي خفّ محملها * تستوجبا نعمة عندي بها ويدا إن تقرءا منزل الأحباب ويحكما * منّي السلام وأن لا تخبرا أحدا قال آخر : وقد أرسلت في السرّ أن قد فضحتني * ونوّهت باسمي في النّسيب ولم تكن « 2 » من عاد رسوله بمكروه قال ديك الجن : أبطأ الرسول فظلت أنتظر * لا النوم يأخذني ولا السهر ردّ الجواب بكلّ معضلة * إن شمّروا للهجر واتّزروا أزجر فؤادك أن يهيم بهم * إن العصا لك قد أرى قشروا « 3 »
--> ( 1 ) وادي الدوم : موضع ورد ذكره في كثير من الشواهد الشعرية أو الدوم لغة الظلّ الدائم ( معجم البلدان لياقوت : 2 / 553 ) . ( 2 ) النسيب : شعر الغزل والتشبيب بمحاسن المحبوب . ( 3 ) أزجر : أردع وأمنع - قشروا لك العصا : مثل يضرب عند المكاشفة .